الشيخ أحمد فريد المزيدي

240

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الفقير الصادق ؟ فقال : هو ألا يستغني بشيء ، ويستغني به كل شيء « 1 » . قال الجنيد : إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ، ولا تلقه بالعلم ؛ فإن الرفق يؤنسه ، والعلم يوحشه . فقال له المرتعشي : يا أبا القاسم ، وهل يكون فقير يوحشه العلم ؟ فقال : نعم ، الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه علمك ذاب ، كما يذوب الرصاص على النار « 2 » . سئل الجنيد عن الفقير الصادق ، متى يكون مستوجبا لدخول الجنة قبل الأغنياء ، بخمسمائة عام ؟ فقال : إذا كان هذا الفقير معاملا للّه عز وجلّ بقلبه ، موافقا للّه فيما منع ، حتى يعد الفقر من اللّه نعمة عليه ، يخاف على زوالها كما يخاف على زوال غناه ، وكان صابرا محتسبا ، مسرورا باختيار اللّه له الفقر ، صائنا لدينه ، كاتما للفقر ، مظهرا للإياس من الناس ، مستغنيا بربّه في فقره ، كما قال اللّه عز وجلّ : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 273 ] ، فإذا كان الفقير بهذه الصفة يدخل الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ، ويكفى يوم القيامة مؤونة الوقوف والحساب إن شاء اللّه تعالى « 3 » . سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن غنيّ شاكر وفقير صابر أيهما أفضل ؟ فقال : ليس مدح الغني للوجود ، ولا مدح الفقير للعدم ، إنما المدح في الاثنين قيامهما بشروط ما عليهما ، فشرط الغني يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته وتمتعها وتلذذها ، والفقير يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته وتقبضها وتزعجها ، فإذا كان الاثنان قائمين للّه تعالى بشروط ما عليهما كان الذي آلم صفته وأزعجها أتم حالا ممن متع صفته ونعمها « 4 » . عن جعفر الخلدي قال : دخل رجل إلى الجنيد ، فأراد أن يخرج من ملكه كله ، ويجلس معهم على الفقر ، فسمعت الجنيد قدّس اللّه سرّه يقول له : لا تخرج كل ما معك ، اجلس مقدار ما يكفيك وأخرج الفضل ، وتقوّت بما حبست ، واجتهد في طلب الحلال ، لا

--> ( 1 ) انظر : اللمع ( ص 151 ) . ( 2 ) انظر : اللمع ( ص 233 ) ، والرسالة ( 2 / 545 ) ، وطبقات الصوفية ( ص 160 ) ، وطريق الهجرتين لابن قيم ( 87 ) . ( 3 ) انظر : اللمع ( ص 292 ) . ( 4 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 140 ) ، والقوت ( 1 / 410 ) .